السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
233
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بيان : قوله تعالى : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - إلى قوله - وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي الآية تعد عدة من الآيات الباهرة الظاهرة بيده عليه السّلام إلا أنها تمتن بها عليه وعلى أمه جميعا ، وهي مذكورة بهذا اللفظ تقريبا فيما يحكيه تعالى من تحديث الملائكة مريم عند بشارتها بعيسى عليه السّلام في سورة آل عمران ، قال تعالى : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - إلى أن قال - وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا - إلى أن قال - وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ، أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ الآيات ( 45 - 50 ) . والتأمل في سياق الآيات يوضح الوجه في عدّ ما ذكره من الآيات المختصة ظاهرا بالمسيح نعمة عليه وعلى والدته جميعا كما تشعر به آيات آل عمران فإن البشارة إنما تكون بنعمة ، والأمر على ذلك فإن ما اختص به المسيح عليه السّلام من آية وموهبة كالولادة من غير أب والتأييد بروح القدس وخلق الطير وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن اللّه سبحانه فهي بعينها كرامة لمريم كما أنها كرامة لعيسى عليها السّلام فهما معا منعمان بالنعمة الإلهية كما قال تعالى : نعمتي التي أنعمت عليك وعلى والدتك . وإلى ذلك يشير تعالى بقوله وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( الأنبياء / 91 ) حيث عدهما معا آية واحدة لا آيتين . وقوله : إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ الظاهر أن التأييد بروح القدس هو السبب المهيئ له لتكليم الناس في المهد ، ولذلك وصل قوله : تُكَلِّمُ النَّاسَ من غير أن يفصله بالعطف إلى الجملة السابقة إشعارا بأن التأييد والتكليم معا أمر واحد مؤلف من سبب